مملكة العابدين

مملكة العابدين

ByAbdelhak abidi

This ebook may not meet accessibility standards and may not be fully compatible with assistive technologies.
مملكة العابدين... أرضٌ تفصلها الأقدار عن العالم، لا تراها الخرائط ولا تعترف بها البوصلات. لم تُكتشف… بل يُؤذن لها أن تُكتَشف، متى شاءت هي. هي مدينة مشيدة فوق ذاكرة الزمن، مبنية من حجارةٍ نُحتت من أعمار من سكنوها. لا يُدفع فيها مال، ولا يُقاس فيها الغنى بما يُملَك من ذهب… بل بما يُضحّى به من عُمر. كل سنة من حياتك تُعادل شيئًا… طعامًا، ماءً، مأوى، أو حتى ابتسامة. والخطيئة الكبرى هناك… أن تهدر وقتك بلا مقابل، لأن الهدر في هذه الأرض جريمة تُعاقب بالمحو. من يدخل مملكة العابدين، لا يعود كما دخل. فالقانون الأعلى فيها لا يُكتب بالحبر، بل يُتلى من أفواه الحُراس الذين لا ترمش أعينهم، وكأنهم من حجر: "الداخل يُختبر… فإن فَقِه، عاش. وإن جهل، فنيَ." الطرقات ملساء لكنها توصل إلى مفترقات مصير. الأبنية مرتفعة، كأنها تراقبك لا تحميك. والسماء فوقها مزدوجة… شمسان تدوران، لا تُعرف لهما بداية أو غروب. في ساحة الحكم، يُتلى الميثاق. كل مواطن له دفتر عمر، يُسجل فيه كل تضحية، وكل ترف، وكل نزوة. لا أحد يُعفى، حتى الأطفال. الأسواق تعج بالأصوات، لكنها ليست أصوات البائعين… بل همسات السنين المنهوبة. قنينة ماء؟ سنة من عمرك. كتاب؟ نصف سنة. عناق؟ ثلاث أشهر. أما الكذب… فيُكلّفك عقدًا من حياتك. في قلب المملكة قصرٌ يُسمى "الركوع"، لا يسكنه أحد، لكن يُقال إن فيه مرآة ترى ما تبقّى من عمرك. من نظر فيها، تغيّر. منهم من خرّ باكيًا، ومنهم من ضحك حتى جُنّ. الناس هناك يعيشون في سباق دائم… لا مع الزمن، بل مع أنفسهم. كل لحظة تُحسب. لا نوم بلا ثمن. لا أحلام بلا تكلفة. في أطراف المدينة، حيث تتلاشى الطرق في الضباب، يسكن "العقلاء المنفيون". هم الذين رفضوا قانون العمر… فاختاروا الجنون بدلًا من الطاعة. المدينة تسكنها وجوه بلا تجاعيد، أجساد شابة، لكنها أرواح هرِمة. فالزمن فيها لا يُقاس بالسنوات بل بالحكمة التي تُنحت من كل تضحية. ورغم قسوتها، هناك جمال عميق في هذه المملكة… جمال في كل تضحية من أجل الآخر، في كل سنة تُمنح لشفاء مريض، أو لإطعام جائع، أو لحماية فكرة. في مملكة العابدين، الإيمان ليس طقسًا، بل سلوك. من يُحب بصدق يُخلّد، ومن يسرق دقيقة يُنسى. الحراس لا ينامون، لأنهم لا يعيشون… بل يُديرون الموازين. يملكون كتبًا تُقرأ من الخلف إلى الأمام، حيث النهاية تسبق الولادة. أما الأطفال فيتعلمون الحساب لا ليعدوا أرقامًا، بل ليحسبوا ما يستحق الحياة من أجله. يتعلمون أن سؤال "كم ستُعطي؟" أهم من "كم ستأخذ؟". في الأزقة، يُروى عن "النبيّ المنسي"، الذي قَدِمَ من عالم آخر ليعيد الميزان. لم يدّعِ النبوّة، بل عاش صامتًا، يُقايض عمره من أجل الآخرين حتى تلاشى. أما الغرباء… فلا يطول مقامهم. إما أن يتعلموا لغة الأعمار، أو ينتهوا في السوق السوداء حيث يُباع الوقت كما تُباع الأعضاء في عالم البشر. ورغم كل هذا… يوجد في قلب المملكة بستان صغير، لا أحد يعرف من يرويه. تُزهر فيه زهرة واحدة فقط، كل مئة عام، وتُسمّى "زهرة

Details

Publication Date
Apr 23, 2025
Language
English
Category
Fiction
Copyright
Some Rights Reserved - Creative Commons (CC BY)
Contributors
By (author): Abdelhak abidi

Specifications

Format
PDF

Ratings & Reviews

2 ratings